لم تكن أغاني الشيخ إمام يوماً أغاني من لحظة ماضية فقط، فقد كانت، وتظل، طريقةً للتفكير بصوت عالٍ في العلن: طريقةً لتسمية السلطة، المجتمع، الحرية والهموم الجماعية، بلغة الناس العادية لا بلغة المؤسسات الرسمية. وهذا جزء مما جعل إمام وأحمد فؤاد نجم بهذه الأهمية: فقد ساهما في خلق سرديةٍ مضادة من الأسفل، سرديةٍ تتحدى النسخ المفروضة من التاريخ، وتعيد الشعور بالانتماء، والذاكرة، والنقد إلى الحياة اليومية

لم تنتهِ تلك السردية المضادة بانتهاء جيلهما. فخلال الانتفاضات العربية وبعدها، عادت أغاني إمام إلى الظهور كمادة حية لأجيال جديدة تحاول فهم الشجاعة، وخيبة الأمل، والبحث غير المكتمل عن الحرية. عودة الناس إليها ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل لأن هذه الأغاني ما زالت تقدّم كلمات، وإيقاعات، ومواقف يمكن من خلالها أن يتعرّف الناس على بعضهم البعض، وأن يربطوا أسئلة الماضي بواقع الحاضر، وأن يرفضوا فكرة أن الهزيمة نهائية
لهذا نحتاج إلى إمام الآن. فالسؤال ليس فقط لماذا كانت هذه الأغاني مهمة في وقتها، بل لماذا تظل ذات صلة بالمستقبل. في زمنٍ يتّسم بالتشتت، والرقابة، والمنفى، والسرديات المتنافسة حول ما حدث وما هو ممكن، تظل هذه الأغاني تقدّم منهجاً متكاملاً: أن نجتمع معاً، ونغني معاً، ونتناقش معاً، وأن نجعل من الثقافة مساحةً للتفكير في العدالة، والتضامن، وأشكال حياة جماعية لم تُبنَ بعد.

وكما كتب السمعلي في كتابه، فإن الشيخ إمام "كان، و لا زال، وسيظل ضمير أمة مشتتة ... فما زال هناك مستقبل لأغانيه لمزيد من الانتشار. لقد وضع هذا الرجل ورفيق دربه أحمد فؤاد نجم إصبعهما على مَكْمَن الداء. ولقد تغيرت آلامنا وتعددت لكن السبب الأصلي للداء ظل نفسه ‎

لهذه الأسباب، لا يتعامل نادي الشيخ إمام الثقافي مع هذه الأغاني بوصفها من الماضي. بل يتعامل معها بوصفها تراثاً حياً ومنهجاً عملياً: شيء يُغنّى، ويُدرَس، ويُختبَر، ويُناقَش، ويُوثَّق، ويُحمَل إلى الأمام. والهدف ليس مجرد التذكّر، بل خلق مساحة يمكن لهذه الأغاني فيها أن تساهم في تشكيل محادثات جديدة، وصداقات جديدة، وإمكانيات ثقافية جديدة
Back to Top